02 أبريل, 2009

ونحن من بلد واحد هو العالم!


ونحن من بلد واحد هو العالم !


د. خليل النعيمي


* إضاءة :


من النادر أن نقرأ في الصحافة العربية مقالا ينضح بهذه الروح المتسامحة المحبة التي تعترف بالآخر وتدعو إلى التعامل معه بوصفه آخر وليس بوصفه صورة مطابقة للذات ، وحتى شاعرنا الكبير أدونيس الذي أمضى شطرًا من عمره في فرنسا ، وتشرّب مناخها في فكره ولغته ، وأفاد من فضائها الديموقراطي أيَّما إفادة ، ولاسيما في مقالاته الصحفية الرصينة التي يكتبها في صحيفة الحياة ومجلة دبي الثقافية ، كثيراً ما يردد عبارة اقتبسها من أبي حيان التوحيدي تقول :" الصديق آخر هو أنت"، وهي تعني رؤية الآخر كنسخة كربونية للذات نفسها وليس كآخر ، على خلاف ما يدعو إليه النعيمي .
وليت المثقفين والمتلقين العرب يقرؤون هذا المقال بمحبة وتفهُّم ورغبة في التعلم ومراجعة الذات استعدادًا لإعادة بنائها من جديد ، ففيه – كما أعتقد – لغة تقطع مع الأسلوب البطركي الذي يهيمن على صحافتنا العربية ، وتتجنب اسخدام أدوات القطع والجزم والتوكيد ، وفيه كذلك جواهر معرفية كثيرة يضيق هذا الحيز عن الإشارة إليها ، ولا يُحسِنُ الوصولّ إليها ، في رأيي ، إلا أمثال النعيمي ممن عايشوا الآخر وتمثلوه وأحسنوا مخاطبته والتوجه إليه .

* نص المقال :

الحياة للوهلة الأولى كافية لتعلِّمنا . تعلمنا ما يجب أن نعلم لكي نبقى على قيد الحياة. لكننا عبر هذه الحياة الأساسية نكتشف المتعة والرِفْقَة والجِدال . نكتشف أبعاد العاطفة ، وعناصر العقل ، وضرورة الحوار. نكتشف أن لا شيء يستحق أن نُدمِّر، من أجله ، الآخر ، نفسياً أو عاطفياً . وأننا إذا ما أردنا أن نحتويه فما علينا إلاّ أن نحبه .

مساكَنَة الآخر، أو العيش معاً ، أو التعايش ، تقتضي طريقاً أخرى غير طريق العنف للوصول . وهذه الطريق هي طريق قبول الثنائية ، أو التعددية . فمنذ أن نصبح اثنين ، نغدو كثيراً. إنها طريق العقل. والتعبير عن أية عملية معقولة يتضمّن ، فيما يتضمّن ، عاملين أساسيين : الفكر والعاطفة . أو بلغتنا اليومية : الحب والفلسفة . فقط ؟ فقط ! والسيف ليس أصدق أحياناً من الكتب .

ومهما يكن الأمر ، لا يمكن العيش معاً بلا حرية. والحرية في الحياة ليست هي حرية أن يتصرف الكائن كما يشاء ، وإنما أن يقبل بحق الآخر في الاختلاف . وما نسميه ‘التسامح’ ليس شيئاً آخر سوى الاقتناع بأن الوجود يحوي أكثر من صنف بشري ، وأكثر من عقلية ، ومن مذهب . وأن الأرض ليست ‘عريناً’ لأحد . التسامح ، إذن ، هو سلوك قائم على ‘الحق’.

أن نحب الآخر هو أن نقبل بمبدأ الاختلاف. فنحن لا نحب إلا مَن ْ نتعلّم منهم. ولا نتعلّم إلا من المختلفين عنا ، سلوكياً وعاطفياً وفكرياً و… في النهاية لا يحب الكائن نفسه ، ولا يساكنها . ولا ننسى أن مبدأ الاختلاف هو ‘ الخِلاف’. وقد ثبت في علوم النفس الحديثة أن الخلاف ، أو الاختلاف العميق ، ولكن غير العدائي ، وأحيانا حتى هذا ، هو المحرِّك الأساسي لعواطف الكائن ، والشوك المحرِّض لقوته الفكرية ، والدافع إلى ممارسة جديدة في الحياة . وأن الذين يشبهوننا في كل شيء ، حتى ولو كانوا مصدر راحة لنا ، هم في الواقع ، كارثة إنسانية غالباً ما تؤدي إلى الفقر الروحي المدقع ، إن لم يكن الموت .

الكائن بطبعه راكد . وتجاوز هذا الركود يقتضي طاقة حيوية خارقة ، وبالخصوص متنامية ومستمرة . إنها ضرورة إعادة النظر المطلقة بكل شيء . ضرورة أن نضع موضع الشك كل ما لا نشك به أصلاً ، وخلاف ذلك تتكفّل به الحياة . ماذا يبقى لنا من قناعاتنا ، إذن ، غير الغباء ؟ لكن ذلك غالباً ما يكون صعب الوصول . صعب التحقق . وخاصة عندما يتعلّق الأمر بقضايا حيوية ، أو مذاهب ، أو اعتقادات نَهْجية جامدة . ومع ذلك ، فالأمر يستحق المغامرة ؛ لأن العيش معاً ، أو التعايش ، جهد متعدد الأبعاد ، وعديد المصادر، ومتنوّع العتبات .
لحظة ولادة هذه ‘ المغامرة’ ، هي لحظة الوعي الفعّال . لحظة تقاطع الحياة الشخصية مع الوجود العام . والوعي لا يبدأ إلاّ من الفرد . وهو جهد شخصيّ خاص ، وإن كانت له أبعاد اجتماعية . والفرد هو الذي سيقتنع بأن الحياة مع الآخر شبه ضرورية . ومنذ أن نبدأ السير في هذه الطريق ، طريق الحياة المشتركة ، سنعرف أننا بحاجة إلى ‘ حق معياري’ . وسندرك أن هذه الحياة لا تستقيم ، دون ‘عدالة’ . دون ‘عدالة’ غير قابلة للشك فيها.

العدالة هي بداية الطريق للعيش السويّ ، مع النفس أولاً ، ومع الآخر . مع الصديق ، ومع العدوّ . وبخاصة مع هذا . لكن العدالة هي الضد المطلق للقوة ، للسيطرة ، للاستغلال ، للإخضاع ، للتجاهل ، للكره ، وللاحتقار .

ثمة مسألة أخرى أساسية ، وهي أن الاقتصاد ، وحده ، لا يصنع مجتمعاً . وهو ، وحده ، لن يؤسس حضارة حتى لو مزيَّفة . ومهمة المفكر ، أو المتنوّر ، أو الفيلسوف (ما دمنا بصدد الفلسفة) هو التنديد بكل مسار اجتماعيّ زائف ، وبخاصة عندما يكون مبنياً على الاقتصاد بشكل أساسيّ ، أو على الربح ، أو التتجير، أو الاستغلال ، مهما كانت نتائج هذا الاقتصاد المباشرة مُرْضِـية ، وَتـَفشّيه في الحياة زائداً .
لماذا الحديث عن الاقتصاد ؟ لأننا لا يمكن أن نتعايش ، أو نتساكن ، أو نتعارف ، دون اقتصاد . وأكاد أقول ، ولا يمكن أن نحب أو نكره دون اقتصاد . لكن هذا التداخل الحميم بين الاقتصادي وبين شؤون الحياة لا يكفي لكي يجعلنا نستسلم له نهائيا . لكي ندعه يقود عقولنا نحو الهاوية : هاوية البطن المتخمة والعقل البليد . وهو ما يجعلنا نرى بوضوح ضرورة قَلْب المعادلة : الاقتصاد في خدمة الحياة ، وليس الحياة في خدمة الاقتصاد.

مهمة الفلسفة ، أو الفكر الإنساني المتنوّر ، من وجهة النظر هذه ، هي تحذير ‘الاقتصادي’ من خطورة انعزاله ، من تمسّكه المستميت بمفهوم الربح والتراكم ، لأن هذا المفهوم المغالي في الانغلاق ، إنْ لَم يُطَـعَّـم بأفكار إنسانية منفتحة على جوانب الحياة الأخرى ، سيكون هو ، نفسه ، مصدر موته . موت كل شيء.

فيما بعد ، يأتي ‘المقدّس’ . ليس المقدس بمعناه الديني (مع أن هذا جزء من الموضوع ) ، فهو قد يكون أقل المقدسات خطورة ، وبخاصة في حوض المتوسط حيث الأديان التوحيدية الثلاثة نشأت على أرض واحدة هي المشرق العربي اليوم ، ولها نفس الأسس والنظر إلى الكائن وإلى شؤون الكون ، ولكن بمعناه الأوسَع : النفسي ، الأخلاقي ، العاطفي . وهذه كلها عوائق معرفية ، وسلوكية من الصعب أحياناً تجاوزها للوصول إلى ‘حُضْن’ الآخر ، قريباً كان ، أوغريباً .

فحيثما يسود المقدس ثمة حواجز وسدود وانْهِدامات. وتجاوزها يتطلّب شجاعة خارقة لا يملكها جميع الناس . وكلما أُزيح جدار ، أو فاصل ، أو عتبة ، أو حتى ‘خط تَماس’ ، صار الاتصال مع الآخر أكثر سهولة ، وأقلَّ رهبة ، وأعمق جدوى لأنه سيقترب عملياً من ‘فعل مَرْغوب’ فيه نمارسه بإرادتنا ، ونتَمتّع به دون تأنيب ضمير. دون إحساس بالذنب ، أو بالإساءة إلى الذات .
لكن هذا السلوك ، أو هذه الاستراتيجية الإنسانية في إقامة العلاقات ، أو هذا الوَصْل المأمول بالآخر ، أو هذه ‘المساواة العاطفية’ ، ليس حتى الآن إلا حلْماً ( وإن كانت الإنسانية تعرف اختراقات كثيرة لهذه القاعدة ) . إنه حلم الفلسفة المتنوّرة ، في مقابل حلم الحياة المتشنّجة . حلم العقل السعيد في مقابل حلم الواقع الشقيّ . وما هي مهمة الفلسفة ، والفيلسوف ، إنْ لَمْ تكن العمل من أجل دَمْجهما معاً ، دَمْج الحلمين ليصبحا شيئاً واحداً حيث تصبح الحياة اليومية هي موضوع الفلسفة . هي الفلسفة نفسها .

للكائن مكان . مكان يؤمه القريب والغريب. وليس له عَـرين. عرين أسد بَرّي لا يمكن التقرّب منه ، ولا اللجوء إليه . وهو ما دفعنا ، وما زال يدفعنا ، لنكون متسامحين ، أكثر فأكثر ، مع الآخر . وفي الثقافة العربية الإسلامية كانت الأمكنة والمدن والساحات ، كلها ، منفتحة على العلوم والتجارب والأجناس والأعراق . ولم تكن ثمة حدود ، أو سدود ، لا يمكن تخطيها ، إلاّ في القليل النادر. والتجار المسلمون جابوا الأرض كلها ، ومنها عادوا دائماً محمّلين بثقافات الآخر، بمزاياه ، وأحياناً بعيوبه أيضاً . وهو ما كان مصدر غِنى لا يُقدَّر لهذه الثقافة التي أرسلتْنا إلى الصين طلباً للعلم ، ولأشياء أخرى لا تقل أهمية عنه.

ولكن لماذا المتوسِّط، بالتحديد ؟ ألأننا نعيش في حوضه ؟ هذا لا يكفي . ولِمَ ‘المحبة أو الرحمة ، والضيافة’ ؟ وما معنى هذه المفهومات فلسفياً في عصرنا هذ ، عصر السلعة والسرعة ؟ لنتوقف عن مناقشة مفهومات ميتة ، مثل هذه . مفهومات أخلاقية بائدة قتلَتْها السلعة ، والتسلّط، والاستعمار ، منذ زمن طويل . ونحن نعرف أن محاولة إحياء الموتى ليست جديدة على الفكر الإنساني ، وبخاصة في حوض المتوسط . مع أن التاريخ أثبت ، دائماً ، لا جدواها.

لنحاول البحث عن قرائن معرفية وفلسفية جديدة تناسب عصرنا وأهواءنا . تناسب رؤيتنا النقدية عن الذات والعالم . إذ لا بد أن يكون للحوار مع الآخر علاقة مع باقي الكون . فلسنا معزولين ، عنه ، لا نحن ، ولا هو . مغامرة العقل العربي ، اليوم ، تكمن في الانفتاح اللامحدود على ثقافات العالم أجمع ، لا على ‘الجار الغربي’ ، فحسب . وإنْ بدا ذلك كبيرا ً، فإن أحلامنا هي الأخرى كبيرة ، وتحتاج إلى زمن كبير. فنحن لا نصلح أخطاءنا بلحظات ، التاريخ ، كله ، قد لا يكفي لإصلاح بعضها .

أن نفكِّر ببقية العالم ، هو أن نُعدِّد علاقاتنا . أن نُـجدِّدها باستمرار. ألاّ نظل نركض وراء ‘غرب’ هو نفسه يركض وراء غرب آخر : أمريكا. ووراء شرق ناهض جديد : الصين واليابان ، وغيرهما . ‘غَرْبُـنا’ العتيق أصبح أفقر منا . وغدا هو نفسه يحتاج إلى ‘معوناتنا’. معوناتنا المادية ، وأكاد أقول والفنية والإنسانية ، أيضاً. فلو سحبنا الأطباء العرب ، اليوم ، مثلاً ، من فرنسا ، وإنكلترا ، لتوقفت مستشفيات كثيرة فيهما عن العمل . ولحدثت أزمة طبية بلا حدود . لكن ‘السلطة العربية الواحدة’ لا تريد أن تحتفظ بعلمائها ، وفنييها ، والمبدعين ، إلاَّ مَنْ خضع لها منهم ، وأطاع .
وأيـّـاً كان الشأن ، علينا ألاّ ننسى أننا ، كلنا ، نعيش فوق ‘كوكب أرضيّ’ ، لم يعد هو ‘مركز الكون’ كما كان معتَبَراً في الميتولوجيات الدينية القديمة ، وإنما هو ، كما نعرف اليوم ، جزء ضئيل من ‘الكوزْموسْ ‘ اللامحدود . وأننا حتى وإنْ كنا ‘إنسانيّة متعددة’ ، فنحن ، كما قال راهب سوري قديم : ‘من بلد واحد هو العالَم’ .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* د. خليل النعيمي : طبيب جراح ، وروائي عربي سوري مقيم في باريس ، عضو الجمعية الجراحية الفرنسية ، ماجستير في الفلسفة المقارنة . والمقال يتضمن نص المداخلة التي ألقاها النعيمي في الملتقى الربيعي للفلسفة الذي عقد في مدينة فاس المغربية تحت شعار" العيش معاً من أجل المتوسط : الفلسفة ، المحبة ، الضيافة " ، ونشر في صحيفة القدس العربي يوم الاثنين 30/3/2009.

20 فبراير, 2009

" السر " بقلم : عبدلله العطر



الفكرة هي القوة الأصلية التي تصنع منها كل الأشياء, كل ما حولنا كان في أصله فكرة , و تتلاحم العواطف مع الأفكار في تناغم بديع فتكون الفكرة الغير محسوسة واقعا ملموس , يعد الإنسان أقوى مركز مخلوق للأفكار و المشاعر , و الوحيد القادر على تطويعها و تشكيلها كيف ما شاء و في أو وقت شاء .

ندور كل المعالم الفكرية حول فكرة ضرورة تحكم الإنسان في فكره و تصوره لما يدور في عقله بكل أشكاله السلبي و الايجابي مع ضرورة محورة السلبي منها إلى ايجابي بأي شكل من أشكال الإدراك المبدع , فكانت و لازالت الجملة الشهيرة ” كن يقضا لأفكارك تدرك ما يدور حولك “.

جرب و لفترة بسيطة أن تتحرى أفكارك و تجعلها تمر بعقلك الواعي أولا , صحيح أن هذا شيء صعب لان الإنسان وحسب الدراسات يمر بقرابة 60000 فكرة في اليوم و هذا كم هائل لا يمكن معالجته بالعقل الواعي , لذلك حاول أن تحوكم أي توجد آلية أو نظام لعملية تدفق أفكارك و لا يوجد أفضل من قانون الايجابية كمرشح للأفكار .

و هنا اقترح عليك مجموعة من ما أسمية منميات الفكر الإنساني , أولا يجب أن تؤمن بأن هنالك مادة حيوية ذات طاقة لا متناهية هي الأصل في كل الأشياء , ويطلق علماء الفيزياء الكمية على هذه المادة اسم ” المادة الكونية ” أو” الطاقة الفراغية ” كما سماها اينشتاين و هي المادة التي تملئ الزمان و المكان .

ثانيا أن أي شيء في هذا الكون هو فكرة في أصله , فكل مخترع أو ابتكار أو حتى عمل فني أو حتى مرض ما هو إلا فكرة في أصله , فمصباح أديسون و مذياع ماركو ني و هاتف جراهام بل ما هي إلا أفكار و تصورات لما كانوا يتطلعون إليه.

ثالثا أن الإنسان هو الكائن الوحيد القادر على صنع الأشياء في فكرة قبل وجودها , وقد قال احد الحكماء أن ما نعيشه من واقع الان هو فعليا في اصله فكرة قد عشناها سابقا .

رابعا كلما زادت طاقة المشاعر و الأحاسيس المقترنة بالفكرة كلما زادت نسبة وجودها في الواقع , لذلك يعد ممارسو الألعاب و الفنون الاسترخائية و التأملية الأقدر على الأحداث التي تمر بهم و نلاحظ ذلك جليا في قدرتهم الخارقة على التحكم في درجات حرارة بعض من أجزاء أجسامهم و حتى إيقاف نبضات قلوبهم كما فعل المتأمل الهندي ” راما ” في تسعينيات القرن الماضي .


خمسا ليكن التفكير في ما “تريد” لا ما ” لا تريد “ لذلك و إذا ما كنت تتطلع إلى ترك التدخين لا تجعل هدفك ” الفكرة ” أن لا تدخن بل اجعلها فكرة تتعلق بقيمة الصحة أو أي شيء ذا قيمة إنسانية لديك كالحفاظ على الأولاد من التدخين أو البيئة أو حتى المجتمع.

سادسا كي تعمل عملا بالطريقة التي يجب أن تكون , عليك أن تكتسب القابلية للتفكير بالطريقة التي يجب أن تكون , إذا لم تستوعب ما قلت فأنصحك بأن تعيد القراءة حتى تستوعب لأن هذه العبارة عميقة جدا , هنا اضرب لك مثال : اذا ماكنت تريد الحصول على الدكتوراه في القانون يجب عليك ان بفكر كشخص حاصل على الدكتوراه في القانون أي يكون في تفكيرك مواد القانون و القضايا و قاعة المحكمة .

اعتقد بأنك قد استوعبت بأن طريقة أداءك للأشياء تعتمد على الفكرة التي تحملها حول تلك الأشياء

23 يناير, 2009

تفعيل نظرية المقاصد يجعل الشريعة صالحة لكل زمان ومكان



يوسف أبا الخيل


مما هو معلوم من الشرع ومن العقل، بل ومن الفطرة، أن الله تعالى لم يرسل الرسل مؤيدين بالشرائع الا لمقاصد مطلوبة له تعالى هي: سعادة المكلفين بها في الدنيا والآخرة. واذا كانت الدار الآخرة، كما أوضح الله تعالى في القرآن، ليست دار عمل بقدر ما هي دار تقييم للعمل الدنيوي نفسه، فإن المقاصد المنبثقة من الشرائع الإلهية تظل مرتبطة بتنظيم الحياة الانسانية في الحياة الدنيا باعتبارها مناط ارتباط الشرائع بمقاصدها. ويقسم الأصوليون الأحكام الشرعية، وفقاً لدرجة وضوح المقصد/العلة/ الحكمة من تشريعها، الى قسمين: قسم غير معلل، يطلقون عليه أحيانا اسم: التعبدي، وهو ما خفي الغرض من تشريعه تماماً، كما هو الشأن في العبادات أو بعضها على الأقل. وقسم معلل. وهو ما ظهرت علة أو حكمة تشريعه بشكل لا مراء فيها، كتحريم شرب الخمر ب«علة» الاسكار المؤدي الى(مخامرة) العقل، ومن ثم تغطيته بما يؤدي الى تعطيل أهم شروط تكليف الانسان.

لكن ثمة اعتراضاً على ذلك التقسيم (الثنائي) للنصوص، من حيث درجة وضوح مقاصدها. هذا الاعتراض نجده لدى الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، الذي يشير في كتابه: (مقاصد الشريعة الاسلامية) الى أن العلماء الذين خاضوا في مسائل التعليل والقياس قد أوشكوا أن يضيفوا قسما ثالثا هو: ما كانت علته خفية، لكن الفقهاء استنبطوها من خلال الاجتهاد في البحث عنها، ك«علة» تحريم ربا الفضل والنسيئة في الأصناف الربوية الستة المعروفة. واذا كان اختفاء المقصد أو ضمور الاهتمام باستنباطه فيما يتعلق ببعض الشعائر التعبدية مفهوما، فإن اختفاءه، أو عدم اهتمام الفقه المعاصر باستنباطه فيما يتعلق بباب المعاملات أمر من الخطورة بمكان، بحيث انه قد يوقع في المحظور نفسه الذي أرادت الشريعة حماية الانسان منه، لأن التشريعات الخاصة بالمعاملات كأحكام البيع والشراء والزواج وشؤون الأسرة وحكم المجتمعات وغيرها، انما هي تشريعات تنظم حياة الفرد والمجتمع في الحياة الدنيا بما يؤدي الى اشاعة العدل والاستقرار والألفة وضمان الحقوق، الفردية منها والجمعية، ولا تمتد أحكامها الى الحياة الآخرة التي هي دار جزاء وليست دار عمل. وهي من ثم - أعني التشريعات المعاملاتية - مجرد وسائل لتحقيق تلك الغايات، بحيث تدور مع امكانية تحققها وجوداً وعدما.واذا كان الأمر كذلك، أعني تعلق أحكام المعاملات بالحياة الحاضرة، فلا مناص من استصحاب مقاصدها التي نزلت مراعية لها. والمقاصد أو العلل ليست، بطبيعتها، متعالية على الزمان والمكان، بل هي بِنتُ زمانها ومكانها وبيئتها، وباختصار، هي بنت مجتمعها، وبالتالي فما يوصل الى تلك المقاصد في زمن معين، قد لا يوصل اليها في زمن يليه.

وهذا يعني أن الأحكام التشريعية - في باب المعاملات خصوصا - ليست غرضاً أو غاية في حد ذاتها. بل ان الغاية منها كامنة فيما تريد أن تحصله من جلب منافع تؤثر ايجابياً على الحياة الحاضرة، أو ما تبتغي دفعه من مضار تؤثر سلباً على تلك الحياة. والقدرة على تفعيل نظرية المقاصد بجعلها غاية في حد ذاتها، والأحكام التي تبتغيها بمثابة وسائل لتحقيقها هي ما جعل الشريعة الاسلامية صالحة لكل زمان ومكان. ولعلنا نجد أوضح التطبيقات المقاصدية للأحكام الشرعية في زمن الصحابة رضي الله عنهم فيما عمله الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما أوقف سهم المؤلفة قلوبهم بحجة أن الاسلام وقتها غدا عزيز المنال، ولم يعد ، من ثم، بحاجة الى تأليف قلب أحد. وعندما أوقف اقامة حد السرقة عام الرمادة بسبب المجاعة، وكذلك عندما أوقف توزيع أراضي سواد العراق على المجاهدين بحجة أن توزيعها سيخل بالتوازن الاقتصادي للأجيال اللاحقة.

رغم أن تلك الأحكام- سهم المؤلفة قلوبهم وحد السرقة وتوزيع الأراضي المفتوحة - مقننة بنصوص قطعية الدلالة من القرآن الكريم. ولعل المغزى الرئيس في هذه التطبيقات العمرية نابع من أن المقاصد هي التي يجب مراعاتها عند تطبيق النصوص، (تأليف القلوب على الاسلام في زمن الضعف مطلوب لتقويته - أي الاسلام- كمقصد، أما في حالة كونه قوياً بذاته فالمقصد قد تحقق، وبالتالي فلا حاجة لوسيلة:تأليف قلوب الناس عليه). في هذا المجال، أعني ربط أحكام المعاملات بمقاصدها، يعود الشيخ ابن عاشور لينعى على بعض الفقهاء ربط أحكام المعاملات بالجانب التعبدي المحض فيقول: «وكان حقاً على الفقهاء أن لا يساعدوا على وجود الأحكام التعبدية في تشريع المعاملات، وأن يوقنوا بأن ما أُدعي فيه انما هي أحكام قد خفيت عللها أو دقت. فإن كثيراً من أحكام المعاملات التي تلقاها بعض الأئمة تلقي الأحكام التعبدية قد عانى المسلمون من جرائها متاعب جمة في معاملاتهم، وكانت الأمة منها في كبد، في حين قال الله تعالى في محكم التنزيل: «وما جعل عليكم في الدين من حرج». ثم يضيف: «وعلى الفقيه أن يجيد النظر في الآثار التي يتراءى منها أحكام خفيت عللها ومقاصدها ويمحص أمرها، فإن لم يجد لها محملا من المقصد الشرعي، نظر في مختلف الروايات لعله أن يظفر بمسلك الوهم الذي دخل على بعض الرواة فأبرز مرويه في صورة تؤذن بأن حكمه مسلوب الحكمة والمقصد. وعليه أن ينظر الى الأحوال العامة في الأمة (الظروف) التي وردت فيها تلك الآثار عند وجودها». النظر في الأحوال والظروف (التاريخية) التي وردت فيها النصوص مورد مهم من موارد استنباط المقاصد الشرعية لها. وهذا الربط (التاريخي) بين النص وبين الظروف أو الأحوال التي نزل أو قيل فيها نجد لها تطبيقات عند السلف توضح الى أي حد كان لديهم وعي تاريخي بتلازم المقاصد/العلل مع النصوص.

فعندما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن «المحاقلة» وهو، وفقاً لتفسير بعض السلف، كراء «تأجير» المزارع على نصيب منها معلوم كالثلث أو الربع، عمد الصحابة الى استصحاب الواقعة(التاريخية) التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة فيها، طلباً لمقصد النص. فوجدوها في حديث رافع بن خديج الذي قال فيه: كنا أكثر أهل المدينة مزدرعا، فكنا نكري الأرض بالناحية منها مسمى لسيد الأرض(أي أن الزرع الذي سينبت في تلك الناحية لمالك الأرض). قال: فمما يصاب من ذلك وتسلم الأرض(أي بقيتها). ومما تصاب الأرض ويسلم ذلك(أي ما في المنطقة المخصصة لرب الأرض). فنهينا عن ذلك. وأما الذهب والورق فلم يكن يومئذ(أي لم يكونوا يتعاملون في النقدين آنذاك). ومن ثم فقد استخلصوا من النهي عن اكراء الأرض أنه نهي عن(المخاطرة)، والتي تتمثل بأن أياً من المتعاقدين، مالك الأرض أو المستأجر، ربما يفقد حظه مما ستخرج الأرض من ثمر أو زرع. أما عندما حدد النبي صلى الله عليه وسلم أن «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا». فقد حمله جمع من أبرز علماء السلف على أن معنى «التفرق» هنا هو اتمام العقد بالصيغة المتعارف عليها زمن البيع، لا التفرق بمعناه الظاهر. ولذلك أنكر الامام أبو حنيفة على من اعتبر التفرق بمعناه الظاهر بقوله:«أرأيت ان كانا(يعني البائع والمشتري) في سفينة؟، أرأيت ان كانا في سجن؟، كيف يفترقان؟». وعندما يحدد النبي صلى الله عليه وسلم المدة التي لا يجوز للمرأة أن تسافر خلالها بدون محرم، وهي - أي المدة - مسيرة ثلاثة أيام، أو يوم وليلة، أو ليلة، على اختلاف في الروايات، فإن المقصد منها، كما ذكر الفقيه المعاصر الشيخ عبدالمحسن العبيكان، في أحدث آرائه الفقهية التي يربط فيها الحكم/العلة بالنص، يدل على «أن في الحكم علة، والا لما ذكر المدة ، فالمدة اليسيرة لا تحصل فيها العلة.ولا بد أن تكون العلة هي الخوف على المرأة من الاعتداء على شرفها وخاصة في السفر قديماً بوسائله التي يحصل فيها الخوف، فالسير في الصحراء على الابل أو البغال أو الحمير ونحوها يكتنفه الخوف من تأخر الدابة ونوم راكبها وسقوطه ونحو ذلك وربما استغل البعض حال الغفلة فاعتدوا على المرأة التي لا يوجد معها محرم يدافع عنها ويحفظها. وأما الوسائل الحديثة مثل الطائرة، فالمدة في الغالب يسيرة، وأيضاً لا يستطيع أحد الاعتداء على المرأة لوجود الطاقم والناس حولها وأما التحرش بالكلام ونحوه فهو يحصل في السوق وعبر الهاتف وفي كل مكان فليس هذا هو المقصود». ثم ساق، تأييداً لكلامه، ما أشار اليه ابن حجر الهيثمي في كتابه: (الزواجر). من قوله:(الكبيرةُ المائة : سفر المرأة وحدها بطريق تخاف فيه على بضعها).

والقاعدة الأصولية المتبعة أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فمتى وجدت العلة/ المقصد، وجد المعلول/ الحكم، ومتى أنتفت العلة/المقصد انتفى المعلول/ الحكم. لكن الكثير من فقهائنا المعاصرين لا يزالون يصرون على أن ينفوا عن الأحكام الشرعية مقاصدها التي جاءت من أجل تحقيقها فجعلوها - أي النصوص - معلقة في الهواء، ونفوا، بدون أن يعوا، صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان. لقد سلكوا مسلك بعض متشددي الظاهرية عندما أخذوا بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: «كل شيء خطأ الا السيف»، فاعتبروا أن كل قتل فيما دون السيف هو قتل خطأ لا يقاد به صاحبه!، وقس على ذلك كثيراً من أحكام المعاملات التي عادة ما يكتفون، عند تحكيمها، بأخذ ظواهر ألفاظها، دون اعمال النظر فيما قصده الشارع منها.

*نقلا عن جريدة "الرياض" السعودية



20 أكتوبر, 2008

أنت سلفي أم حداثي؟



د. عبد الرحمن الحبيب

أنت صحوي أم لبرالي؟ إذا كنت صحوياً فهل أنت: إخواني، جهادي، سروري، جامي..الخ؟ وإذا كنت لبرالياً: فهل أنت يميني، يساري، لا منتمي.. وطني، قومي، أممي؟ وإذا لم تكن من كل أولئك فهل أنت تقليدي محافظ أم تقليدي متفتح..الخ؟ مثل هذه الأسئلة وأشباهها من التصنيفات قد تظهر رغما عنّا بشكل أو بآخر في كثير من الحوارات الفكرية بمرحلتنا الراهنة. وهذا من الطبيعة الأساسية للحوارات بين الفرقاء، لكن كثيراً من الغيورين على الوطنية والحريصين على وحدة وتماسك المجتمع يرفضون التصنيفات المستندة على أساس الرأي أو الفكر، والتي ينشأ عنها فرز تيارات أو أطياف فكرية، وذلك نتيجة تصورهم أن التصنيف يؤدي أو يمكن أن يؤدي إلى الفُرقة والنزاع.

التصنيف بشكل عام هو مسألة طبيعية أساسية للتقييم وللتعريف وللفرز في كل الأشياء المادية من الإبرة إلى الطائرة، والمعنوية من الذائقة الفنية إلى النظرية الفكرية.. وفي المجال الفكري فإن وجود الأطياف أو التيارات المختلفة هي مسألة تنوع طبيعي يثري الكيان الوطني الشامل لكل الفئات الجزئية، خاصة إذا تم التمييز بين السلبي والإيجابي في طريقة تناول هذا التنوع وطريقة التصنيف التي ينبغي أن تراعي مقومات ومبادئ واعتبارات خاصة. ومثلما نفتخر بوجود خصائص مميزة ومختلفة للأنواع الأدبية والفنية والاجتماعية والثقافية والفلكلور وأنواع التراث المحلي ونحافظ على هذا التنوع الغني كما يحدث في مهرجان الجنادرية وما شابهه، فكذلك يكون بالنسبة للتنوع الفكري وظهور مدارس مختلفة تستظل بسقف وطن واحد ودولة موحدة ودين واحد. لقد ظل كثير من المفكرين والمثقفين العرب، يشددون باستمرار على التخويف من التعددية، وعلى ضرورة انصهار جماعات الرأي في بوتقة واحدة، وينسى أن الاختلافات والتعددية الفكرية هي طبيعة بشرية..

ولطالما كرر السياسيون العرب من يمينهم إلى يسارهم التشكيك في تلك التعددية بحجة أنها تمزق وحدتنا أو تثير نعرات فئوية داخل الوطن الواحد. بينما في كل الدول المتقدمة الصناعية وفي كثير غيرها من الدول السائرة في ركب التقدم، نجد وحدة مستقرة رغم أن التعدد الديني والمذهبي والفكري فيها يفوق بأضعاف التعدد الموجود في المجتمعات العربية، ولم يخش أن تؤدي إلى صدامات عنيفة ممزقة.. بل يراها الكثيرون مصدر ثراء حضاري، فالتعدد والتنوع الثقافي كان ولا يزال أحد السمات الرئيسية للأمم والدول المزدهرة.صحيح أن وجود أغلبية دينية أو عرقية أو ثقافية يمثل عامل استقرار أساسي للمجتمع وللدولة، لكن عبر الاعتراف بوجود التنوع، والانفتاح على الأقليات أو المجموعات الأخرى، وعبر التفاعل معها، وضمان حقها في الوجود والتعبير والممارسة، لتتحول هذه الأقليات إلى عامل محفز للإبداع والابتكار من خلال تبادل الثقافات والخبرات. وصحيح أن الصدامات والتمزقات العنيفة التي تحصل حالياً في بعض المجتمعات العربية سببها السطحي المباشر هو الاختلافات الطائفية أو العشائرية أو الحزبية.. وصحيح أن التخوف من إعلان التعددية قد يكون له مسوغاته أهمها ما نشهده في الإنترنت والفضائيات من زيادة درجة الاهتمام بالفئوي (خاصة الطائفي والعشائري) على حساب الوطني. لكن من أهم الأسباب العميقة لذلك - في عالمنا العربي- هو إغفالنا لهذه الفروقات ردحاً من الزمن، واعتبارنا أن هذه الفروقات غير موجودة، يجب طمسها أو عزلها وعدم الاعتراف بها، فصار مع مرور الوقت أن أخذت تنمو في الخفاء وفي الظلام.. تنمو على ثقافة الانعزال والاستئصال.. تنمو مع عقدة الاضطهاد.. فعندما خرجت من أقبيتها ظهرت تحمل تشوهات مرعبة.. خرجت تحمل ثأراً مؤجلاً، وفي جعبتها فتنة نائمة! فالاشكالية ليست في إعلان التعددية بل في طريقة إظهارها وتناولها.وإذا كان التاريخ القريب لا يبشر بخير فيما يخص التعدد المذهبي والعشائري والمناطقي والحزبي، فإنه ليس من الحكمة أن يصادر حق الجماعات المختلفة في إبراز هويتها وتميزها، إذا كان إبراز هذا التمييز عقلانيا ويخضع للضوابط والأنظمة.. فليس صحيحاً أن يتم طمس التعدد وكأنه غير موجود، وليس صحيحا أن لا تتم دراسات علمية في هذا المجال، حيث مرَّ وقت في كثير من الدول العربية يتم فيه منع مجرد دراستها المنهجية في الجامعات، ناهيك عن مناقشتها الموضوعية الرصينة في المنتديات والمؤتمرات والمحافل الفكرية.. فمجرد طرح هذا الموضوع كان يُنظر إليه على أنه إثارة للنعرات وسوء نية، وخروج على الوحدة الوطنية أو الاندماج الثقافي.محاولة الطمس هذه خلقت في مخيلة المجتمعات العربية أن التعددية تعني التناحر والتمزق حتى أصبح كثير ممن هم ينتمون لهذه الجماعات يرهبون حقهم في إعلان ذلك، بل ويزايد البعض (في حالة انفصام ثقافي حادَّة) شاتماً التعددية في النهار وممارساً للفئوية الضيقة في الليل.. يُقدس الوحدوية في العلن، ويمارس أسوأ أنواع الاستقطاب الفئوي في الخفاء.. حتى غدت بعض التيارات الفكرية وجماعات الرأي تُظهر ثقافة مختلفة عن الثقافة التي تبطنها داخل جماعاتها. ومن هنا نثمن غالياً المواقف الإنسانية للملك عبدالله في مبادراته النبيلة المتوالية لكشف التنوع للنور، من تأسيس مراكز الحوار الوطنية والدولية إلى اللقاءات التاريخية بين ممثلي الأديان والطوائف المختلفة.. إنها إعلان إنساني مؤسسي للتعايش السلمي والتسامح بين الفرق المختلفة، وإعلان حقوقي باحترام الاختلاف بين الجماعات داخل الوطن الواحد.. والجماعات بين البلدان المختلفة.. والجماعات بين الأمم المختلفة..الخ. الخوف أن تتحول المبالغة في فكرة الوحدة إلى إيديولوجيا شمولية قمعية تستلزم الانضباط الجامد الصارم والالتزام الأعمى بوحدة الجماعة عبر الانتماء الأحادي وسحق كل تعدد أو تنوع.. وحدة حجرية صماء ذات لون واحد وشكل واحد تلغي كل أشكال التنوع الطبيعي..


وهذا المفهوم الشمولي للوحدة يكاد يكون هو السائد في الفكر العربي، فكثير من المفكرين والمثقفين نظرَّوا لهذا الأسلوب بشكل مباشر أو غير مباشر، نتيجة لطروحاتهم التي ترى أن الدولة هي عبارة عن تمثيل عضوي مباشر وصاف للمجتمع، مما يعني الافتراض أن جميع فئات وشرائح المجتمع لا بد أن تنصهر في جماعة واحدة وتلغى كافة التنوعات والفروقات الطبيعية، وهذا مناقض للطبيعة ولسنن الحياة وتفريغ للمجتمع من مضمونه الحيوي المتنوع. السليم هو الشعور بالوحدة الوطنية في ظل التنوع، مع التمييز بين هويات جزئية سلبية تفرق بين أبناء الوطن الواحد وبين هويات جزئية إيجابية تنضوي تحت لواء الوطن باعتباره مظلة للجميع وهوية واحدة موحدة لهم.. وعبر الاقتناع بالمواطنة من خلال الانتماء لدولة واحدة تنظم وتحمي الحريات العامة والخاصة وترعى الاختلافات بين: الثقافات والتيارات الفكرية وجماعات الرأي المختلفة، والمذاهب، والعشائر، والأقاليم، والحضر والبدو والريفيين، والطبقات والمهن وكافة فئات وشرائح المجتمع... فكن ما شئت من هذه الفئات، فكلنا للوطن والوطن للجميع.

* نقلا عن صحيفة "الجزيرة" السعودية



19 أكتوبر, 2008

( غــــادة حــبــيـــب )









لم ينبثق اسم غادة حبيب من فراغ، فهي فنانة تشكيلية معروفة في العراق، ولها علاقات حميمة مع عدد من الأدباء والفنانين العراقيين الذين دوّنوا انطباعاتهم الشخصية والفنية على صفحات «دفاتر الزيارات» التي تحتفظ بها حتى الآن مثل كنزٍ ثمين. ولعل المرور العابر على هذه الأسماء الإبداعية يكشف عن جانب من تألقها الفني، وأهميتها في المشهد التشكيلي العراقي. فليس من السهولة أن تستوقف نحو ثلاثين مبدعاً يكتبون في حقول الشعر والرواية والقصة والنقد الأدبي ليقولوا كلمتهم فيها من أمثال: عبدالرزاق عبدالواحد، رشيد ياسين، عبدالرحمن طهمازي، عدنان الصائغ، عبدالرزاق الربيعي، محمد جاسم مظلوم، هادي ياسين علي، دنيا ميخائيل، أديب كمال الدين، عيسى حسن الياسري، جواد الحطّاب، سهام جبار، يونس ناصر عبود، رباح نوري، محمد رشدي العامل، عبدالستار ناصر، شاكر حسن آل سعيد، إضافة الى أسماء أخرى تقنعت بلقب «زائر» أو «مشاهد» أو «مُعجب» بتجربتها الفنية الخاصة.

انقطعت غادة حبيب عن الرسم نحو عشر نتيجة احباطات ذاتية وموضوعية. فبعد تألقها في سبعة معارض شخصية احتضنتها أهم صالات بغداد مثل صالة «عشتار شيراتون»، و «صالة فندق الرشيد»، و «صالة فندق المنصور ميليا» إضافة الى مشاركتها في معرض «فنانات من العالم الإسلامي» الذي أُقيم في «قاعة ايسلنغتون» في لندن عام 1994، وبعد حضور قوي انتكست غادة لأنها كانت تحلم بعودة نعمة السمع إليها، غير أن وعود الأطباء ذهبت أدراج الرياح، وظلت حالتها الصحية كما هي عليه منذ فقدت سمعها في الرابعة عشرة إثر الارتفاع الحاد والمفاجئ لدرجة حرارتها، ولم يتغير أي شيء حتى الآن. غير أن عودتها الى رسم اللوحة الزيتية تحديداً أعادت لها بعضاً من توازنها المفقود، وعزّزت رغبتها في الحياة التي يجب أن تُعاش على رغم الأقدار وتمثلت عودتها الى الرسم بمشروعين، الأول مشروع جديد فرضته ظروف الاحتلال التي عاشها العراق منذ 9/4/2003 حتى الآن. ويبدو أن الفنانة المرهفة غادة حبيب تحب العراق بطريقة جنونية بحيث لا يغدو للفن أو الحياة أي معنى من دون العراق، بل أنها تمنّي النفس غالباً بالعودة الى العراق كي تستعيد عافيتها الجسدية والروحية من العراق المعافى من التبعية والاحتلال. لذلك وقع اختيارها على ثلاثة أعمال فنية مشهورة عالمياً وهي «الصرخة» للفنان النرويجي أدوارد مونش، و «أوفيليا» للفنان البريطاني جون إيفيرت ميليه، ولوحة ثالثة للفنان البريطاني أيضاً نَيل مور وقد أسمتها غادة «أعطِني الناي وغنّ». وعلى رغم خطورة هذا المنحى الذي يعتمد على التلاقح والمزاوجة بين ثيمتين ومعالجتين إلا أن نيّة الفنانة لا تذهب البتة صوب النسخ أو الانتحال، بل صوب الاستعارة والاقتباس بهدف خلق حالة من الحوار الداخلي بين الفنانة واللوحة المُقتَبَسة.

لوحة «أوفيليا» التي رسمها الفنان جون إيفيرت ميليه عام 1852 استوحاها من مسرحية «هاملت» لشكسبير حيث تزِّل قدم أوفيليا وتسقط في النهر، وتموت غرقاً بإرادتها حُزناً على والدها بولونيوس الذي قتله هاملت من دون قصد، وكمداً على حالة هاملت نفسه التي قاربت الجنون والتوحد المرَضي مع الذات. أما الزهور التي كانت تحملها بيدها فلها معانٍ رمزية كثيرة مثل الخشخاش، وزهرة الربيع، والبنفسج أو زهرة الثالوث. وقد اعتبرت هذه اللوحة من أهم الأعمال الفنية التي كانت تُعنى بدراسة الطبيعة في شكل متقن. وقد اعتمد الفنان ميليه على نظام يرصد العلاقات بين النباتات والحيوانات وبيئتها أو المحيط الذي تعيش فيه. ولو دققنا النظر في لوحة «أوفيليا» لوجدنا أن خلفية اللوحة مستنسخة عن مشهد حقيقي يقع الى جانب نهر هوغسمل في منطقة سيوري أما «الموديل» الذي اتخذه ميليه كأنموذج مقارب لأوفيليا فهو للفنانة والشاعرة البريطانية إليزابيث إليانور سيدال. ما يهم في لوحة غادة حبيب هو الخلفية التي حورّتها لتصبح غابة من البردي والنخل المحترق الذي تلاشت جذوعه الباسقة وتحولت رماداً. لا مجال إذاً للعلاقات السرية التي تربط بين الكائنات الحية ومحيطها، لأن هذا المحيط تحوّل الى عدم شامل ومُطبق بحيث تلاشت شجرة الصفصاف الباكية، واحترقت الزهور المتفتحة في الأشجار والنباتات. أما اللوحة الثانية اللافتة فهي « صرخة « مونش، وقد استعارت غادة هذه الصرخة لحنجرتها أولاً، ثم لغالبية العراقيين الصامتين الذين لا حول لهم ولا قوّة، وربطت بين جسر مونش وجسر الأئمة الذي راح ضحيته أكثر من ألف مواطن عراقي. وهناك أيادٍ عراقية ترتفع مستغيثةً بين الأشلاء والضحايا بعد أن فقدت الأفواه قوّتها على النُطق أو الصراخ. وفي قلب هذا المشهد التراجيدي ثمة وجوه أكدية وسومرية وبابلية وآشورية مختلطة بالأشلاء البشرية في إشارة ذكية الى سرقة المتاحف في بغداد وبقية المدن العراقية. وفي الجهة العليا ثمة مساحة مكتظة بالنخيل المعفّر بلون الغروب الدامي.

اللوحة الثالثة التي تحاور فيها الفنان البريطاني نَيْل مور لوحة «أعطني الناي وغنِّ» تقف فيها فتاة جميلة مرهفة الحس خلف نافذة تطل على مشهد مأسوي حيث المئات من الجرحى والضحايا العراقيين الذين لفظوا أنفاسهم الأخيرة جراء حروب عبثية متواصلة. وليس هناك منْ يستمع الى هذه العازفة التي تعزف في الزمن الخطأ والمكان الخطأ حتى وإن كان «الغنا سر الوجود». ثمة لوحة رابعة عنوانها « الحرب « وهي منظر للأسلاك الشائكة في مشهد رمادي شديد القتامة. وقد اعتمدت الرسامة تقنية تعبيرية غريبة سامحة لأظافرها الطويلة أن تخدش الطبقة اللونية السميكة وتصنع منها أسلاكاً شائكة تجرح بحدتها أما مشروعها الثاني فهو النساء الحالمات، وهو يحتاج بالتأكيد الى قراءة نقدية منفصلة لتقصي أشكاله ومضامينة الرومنطيقية التي لا تخرج عن الإطارين التشخيصي والتعبيري في آنٍ واحد.