د. خليل النعيمي
* إضاءة :
من النادر أن نقرأ في الصحافة العربية مقالا ينضح بهذه الروح المتسامحة المحبة التي تعترف بالآخر وتدعو إلى التعامل معه بوصفه آخر وليس بوصفه صورة مطابقة للذات ، وحتى شاعرنا الكبير أدونيس الذي أمضى شطرًا من عمره في فرنسا ، وتشرّب مناخها في فكره ولغته ، وأفاد من فضائها الديموقراطي أيَّما إفادة ، ولاسيما في مقالاته الصحفية الرصينة التي يكتبها في صحيفة الحياة ومجلة دبي الثقافية ، كثيراً ما يردد عبارة اقتبسها من أبي حيان التوحيدي تقول :" الصديق آخر هو أنت"، وهي تعني رؤية الآخر كنسخة كربونية للذات نفسها وليس كآخر ، على خلاف ما يدعو إليه النعيمي .
وليت المثقفين والمتلقين العرب يقرؤون هذا المقال بمحبة وتفهُّم ورغبة في التعلم ومراجعة الذات استعدادًا لإعادة بنائها من جديد ، ففيه – كما أعتقد – لغة تقطع مع الأسلوب البطركي الذي يهيمن على صحافتنا العربية ، وتتجنب اسخدام أدوات القطع والجزم والتوكيد ، وفيه كذلك جواهر معرفية كثيرة يضيق هذا الحيز عن الإشارة إليها ، ولا يُحسِنُ الوصولّ إليها ، في رأيي ، إلا أمثال النعيمي ممن عايشوا الآخر وتمثلوه وأحسنوا مخاطبته والتوجه إليه .
* نص المقال :
الحياة للوهلة الأولى كافية لتعلِّمنا . تعلمنا ما يجب أن نعلم لكي نبقى على قيد الحياة. لكننا عبر هذه الحياة الأساسية نكتشف المتعة والرِفْقَة والجِدال . نكتشف أبعاد العاطفة ، وعناصر العقل ، وضرورة الحوار. نكتشف أن لا شيء يستحق أن نُدمِّر، من أجله ، الآخر ، نفسياً أو عاطفياً . وأننا إذا ما أردنا أن نحتويه فما علينا إلاّ أن نحبه .
مساكَنَة الآخر، أو العيش معاً ، أو التعايش ، تقتضي طريقاً أخرى غير طريق العنف للوصول . وهذه الطريق هي طريق قبول الثنائية ، أو التعددية . فمنذ أن نصبح اثنين ، نغدو كثيراً. إنها طريق العقل. والتعبير عن أية عملية معقولة يتضمّن ، فيما يتضمّن ، عاملين أساسيين : الفكر والعاطفة . أو بلغتنا اليومية : الحب والفلسفة . فقط ؟ فقط ! والسيف ليس أصدق أحياناً من الكتب .
ومهما يكن الأمر ، لا يمكن العيش معاً بلا حرية. والحرية في الحياة ليست هي حرية أن يتصرف الكائن كما يشاء ، وإنما أن يقبل بحق الآخر في الاختلاف . وما نسميه ‘التسامح’ ليس شيئاً آخر سوى الاقتناع بأن الوجود يحوي أكثر من صنف بشري ، وأكثر من عقلية ، ومن مذهب . وأن الأرض ليست ‘عريناً’ لأحد . التسامح ، إذن ، هو سلوك قائم على ‘الحق’.
أن نحب الآخر هو أن نقبل بمبدأ الاختلاف. فنحن لا نحب إلا مَن ْ نتعلّم منهم. ولا نتعلّم إلا من المختلفين عنا ، سلوكياً وعاطفياً وفكرياً و… في النهاية لا يحب الكائن نفسه ، ولا يساكنها . ولا ننسى أن مبدأ الاختلاف هو ‘ الخِلاف’. وقد ثبت في علوم النفس الحديثة أن الخلاف ، أو الاختلاف العميق ، ولكن غير العدائي ، وأحيانا حتى هذا ، هو المحرِّك الأساسي لعواطف الكائن ، والشوك المحرِّض لقوته الفكرية ، والدافع إلى ممارسة جديدة في الحياة . وأن الذين يشبهوننا في كل شيء ، حتى ولو كانوا مصدر راحة لنا ، هم في الواقع ، كارثة إنسانية غالباً ما تؤدي إلى الفقر الروحي المدقع ، إن لم يكن الموت .
الكائن بطبعه راكد . وتجاوز هذا الركود يقتضي طاقة حيوية خارقة ، وبالخصوص متنامية ومستمرة . إنها ضرورة إعادة النظر المطلقة بكل شيء . ضرورة أن نضع موضع الشك كل ما لا نشك به أصلاً ، وخلاف ذلك تتكفّل به الحياة . ماذا يبقى لنا من قناعاتنا ، إذن ، غير الغباء ؟ لكن ذلك غالباً ما يكون صعب الوصول . صعب التحقق . وخاصة عندما يتعلّق الأمر بقضايا حيوية ، أو مذاهب ، أو اعتقادات نَهْجية جامدة . ومع ذلك ، فالأمر يستحق المغامرة ؛ لأن العيش معاً ، أو التعايش ، جهد متعدد الأبعاد ، وعديد المصادر، ومتنوّع العتبات .
لحظة ولادة هذه ‘ المغامرة’ ، هي لحظة الوعي الفعّال . لحظة تقاطع الحياة الشخصية مع الوجود العام . والوعي لا يبدأ إلاّ من الفرد . وهو جهد شخصيّ خاص ، وإن كانت له أبعاد اجتماعية . والفرد هو الذي سيقتنع بأن الحياة مع الآخر شبه ضرورية . ومنذ أن نبدأ السير في هذه الطريق ، طريق الحياة المشتركة ، سنعرف أننا بحاجة إلى ‘ حق معياري’ . وسندرك أن هذه الحياة لا تستقيم ، دون ‘عدالة’ . دون ‘عدالة’ غير قابلة للشك فيها.
العدالة هي بداية الطريق للعيش السويّ ، مع النفس أولاً ، ومع الآخر . مع الصديق ، ومع العدوّ . وبخاصة مع هذا . لكن العدالة هي الضد المطلق للقوة ، للسيطرة ، للاستغلال ، للإخضاع ، للتجاهل ، للكره ، وللاحتقار .
ثمة مسألة أخرى أساسية ، وهي أن الاقتصاد ، وحده ، لا يصنع مجتمعاً . وهو ، وحده ، لن يؤسس حضارة حتى لو مزيَّفة . ومهمة المفكر ، أو المتنوّر ، أو الفيلسوف (ما دمنا بصدد الفلسفة) هو التنديد بكل مسار اجتماعيّ زائف ، وبخاصة عندما يكون مبنياً على الاقتصاد بشكل أساسيّ ، أو على الربح ، أو التتجير، أو الاستغلال ، مهما كانت نتائج هذا الاقتصاد المباشرة مُرْضِـية ، وَتـَفشّيه في الحياة زائداً .
لماذا الحديث عن الاقتصاد ؟ لأننا لا يمكن أن نتعايش ، أو نتساكن ، أو نتعارف ، دون اقتصاد . وأكاد أقول ، ولا يمكن أن نحب أو نكره دون اقتصاد . لكن هذا التداخل الحميم بين الاقتصادي وبين شؤون الحياة لا يكفي لكي يجعلنا نستسلم له نهائيا . لكي ندعه يقود عقولنا نحو الهاوية : هاوية البطن المتخمة والعقل البليد . وهو ما يجعلنا نرى بوضوح ضرورة قَلْب المعادلة : الاقتصاد في خدمة الحياة ، وليس الحياة في خدمة الاقتصاد.
مهمة الفلسفة ، أو الفكر الإنساني المتنوّر ، من وجهة النظر هذه ، هي تحذير ‘الاقتصادي’ من خطورة انعزاله ، من تمسّكه المستميت بمفهوم الربح والتراكم ، لأن هذا المفهوم المغالي في الانغلاق ، إنْ لَم يُطَـعَّـم بأفكار إنسانية منفتحة على جوانب الحياة الأخرى ، سيكون هو ، نفسه ، مصدر موته . موت كل شيء.
فيما بعد ، يأتي ‘المقدّس’ . ليس المقدس بمعناه الديني (مع أن هذا جزء من الموضوع ) ، فهو قد يكون أقل المقدسات خطورة ، وبخاصة في حوض المتوسط حيث الأديان التوحيدية الثلاثة نشأت على أرض واحدة هي المشرق العربي اليوم ، ولها نفس الأسس والنظر إلى الكائن وإلى شؤون الكون ، ولكن بمعناه الأوسَع : النفسي ، الأخلاقي ، العاطفي . وهذه كلها عوائق معرفية ، وسلوكية من الصعب أحياناً تجاوزها للوصول إلى ‘حُضْن’ الآخر ، قريباً كان ، أوغريباً .
فحيثما يسود المقدس ثمة حواجز وسدود وانْهِدامات. وتجاوزها يتطلّب شجاعة خارقة لا يملكها جميع الناس . وكلما أُزيح جدار ، أو فاصل ، أو عتبة ، أو حتى ‘خط تَماس’ ، صار الاتصال مع الآخر أكثر سهولة ، وأقلَّ رهبة ، وأعمق جدوى لأنه سيقترب عملياً من ‘فعل مَرْغوب’ فيه نمارسه بإرادتنا ، ونتَمتّع به دون تأنيب ضمير. دون إحساس بالذنب ، أو بالإساءة إلى الذات .
لكن هذا السلوك ، أو هذه الاستراتيجية الإنسانية في إقامة العلاقات ، أو هذا الوَصْل المأمول بالآخر ، أو هذه ‘المساواة العاطفية’ ، ليس حتى الآن إلا حلْماً ( وإن كانت الإنسانية تعرف اختراقات كثيرة لهذه القاعدة ) . إنه حلم الفلسفة المتنوّرة ، في مقابل حلم الحياة المتشنّجة . حلم العقل السعيد في مقابل حلم الواقع الشقيّ . وما هي مهمة الفلسفة ، والفيلسوف ، إنْ لَمْ تكن العمل من أجل دَمْجهما معاً ، دَمْج الحلمين ليصبحا شيئاً واحداً حيث تصبح الحياة اليومية هي موضوع الفلسفة . هي الفلسفة نفسها .
للكائن مكان . مكان يؤمه القريب والغريب. وليس له عَـرين. عرين أسد بَرّي لا يمكن التقرّب منه ، ولا اللجوء إليه . وهو ما دفعنا ، وما زال يدفعنا ، لنكون متسامحين ، أكثر فأكثر ، مع الآخر . وفي الثقافة العربية الإسلامية كانت الأمكنة والمدن والساحات ، كلها ، منفتحة على العلوم والتجارب والأجناس والأعراق . ولم تكن ثمة حدود ، أو سدود ، لا يمكن تخطيها ، إلاّ في القليل النادر. والتجار المسلمون جابوا الأرض كلها ، ومنها عادوا دائماً محمّلين بثقافات الآخر، بمزاياه ، وأحياناً بعيوبه أيضاً . وهو ما كان مصدر غِنى لا يُقدَّر لهذه الثقافة التي أرسلتْنا إلى الصين طلباً للعلم ، ولأشياء أخرى لا تقل أهمية عنه.
ولكن لماذا المتوسِّط، بالتحديد ؟ ألأننا نعيش في حوضه ؟ هذا لا يكفي . ولِمَ ‘المحبة أو الرحمة ، والضيافة’ ؟ وما معنى هذه المفهومات فلسفياً في عصرنا هذ ، عصر السلعة والسرعة ؟ لنتوقف عن مناقشة مفهومات ميتة ، مثل هذه . مفهومات أخلاقية بائدة قتلَتْها السلعة ، والتسلّط، والاستعمار ، منذ زمن طويل . ونحن نعرف أن محاولة إحياء الموتى ليست جديدة على الفكر الإنساني ، وبخاصة في حوض المتوسط . مع أن التاريخ أثبت ، دائماً ، لا جدواها.
لنحاول البحث عن قرائن معرفية وفلسفية جديدة تناسب عصرنا وأهواءنا . تناسب رؤيتنا النقدية عن الذات والعالم . إذ لا بد أن يكون للحوار مع الآخر علاقة مع باقي الكون . فلسنا معزولين ، عنه ، لا نحن ، ولا هو . مغامرة العقل العربي ، اليوم ، تكمن في الانفتاح اللامحدود على ثقافات العالم أجمع ، لا على ‘الجار الغربي’ ، فحسب . وإنْ بدا ذلك كبيرا ً، فإن أحلامنا هي الأخرى كبيرة ، وتحتاج إلى زمن كبير. فنحن لا نصلح أخطاءنا بلحظات ، التاريخ ، كله ، قد لا يكفي لإصلاح بعضها .
أن نفكِّر ببقية العالم ، هو أن نُعدِّد علاقاتنا . أن نُـجدِّدها باستمرار. ألاّ نظل نركض وراء ‘غرب’ هو نفسه يركض وراء غرب آخر : أمريكا. ووراء شرق ناهض جديد : الصين واليابان ، وغيرهما . ‘غَرْبُـنا’ العتيق أصبح أفقر منا . وغدا هو نفسه يحتاج إلى ‘معوناتنا’. معوناتنا المادية ، وأكاد أقول والفنية والإنسانية ، أيضاً. فلو سحبنا الأطباء العرب ، اليوم ، مثلاً ، من فرنسا ، وإنكلترا ، لتوقفت مستشفيات كثيرة فيهما عن العمل . ولحدثت أزمة طبية بلا حدود . لكن ‘السلطة العربية الواحدة’ لا تريد أن تحتفظ بعلمائها ، وفنييها ، والمبدعين ، إلاَّ مَنْ خضع لها منهم ، وأطاع .
وأيـّـاً كان الشأن ، علينا ألاّ ننسى أننا ، كلنا ، نعيش فوق ‘كوكب أرضيّ’ ، لم يعد هو ‘مركز الكون’ كما كان معتَبَراً في الميتولوجيات الدينية القديمة ، وإنما هو ، كما نعرف اليوم ، جزء ضئيل من ‘الكوزْموسْ ‘ اللامحدود . وأننا حتى وإنْ كنا ‘إنسانيّة متعددة’ ، فنحن ، كما قال راهب سوري قديم : ‘من بلد واحد هو العالَم’ .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* د. خليل النعيمي : طبيب جراح ، وروائي عربي سوري مقيم في باريس ، عضو الجمعية الجراحية الفرنسية ، ماجستير في الفلسفة المقارنة . والمقال يتضمن نص المداخلة التي ألقاها النعيمي في الملتقى الربيعي للفلسفة الذي عقد في مدينة فاس المغربية تحت شعار" العيش معاً من أجل المتوسط : الفلسفة ، المحبة ، الضيافة " ، ونشر في صحيفة القدس العربي يوم الاثنين 30/3/2009.





